عبد الله بن أحمد النسفي
185
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 234 ] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 234 ) بالزوج من قبلها بسبب الولد ، أو تضارّ بمعنى تضرّ والباء من صلته أي لا تضرّ والدة ولدها فلا تسيء غذاءه وتعهده ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها ، ولا يضرّ الوالد به بأن ينتزعه من يدها ، أو يقصّر في حقّها فتقصّر هي في حقّ الولد ، وإنّما قيل بولدها وبولده لأنّه لمّا نهيت المرأة عن المضارّة أضيف إليها الولد استعطافا لها عليه ، وكذلك الوالد وَعَلَى الْوارِثِ عطف على قوله وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ ، وما بينهما تفسير للمعروف معترض بين المعطوف والمعطوف عليه ، أي وعلى وارث الصبيّ عند عدم الأب مِثْلُ ذلِكَ أي مثل الذي كان على أبيه في حياته من الرزق والكسوة ، واختلف فيه فعند ابن أبي ليلى « 1 » كلّ من ورثه ، وعندنا من كان ذا رحم محرم منه لقراءة ابن مسعود رضي اللّه عنه وعلى الوارث ذي الرّحم المحرم مثل ذلك ، وعند الشافعي رحمه اللّه لا نفقة فيما عدا الولاد فَإِنْ أَرادا يعني الأبوين فِصالًا فطاما صادرا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ بينهما فَلا جُناحَ عَلَيْهِما في ذلك زادا على الحولين أو نقصا ، وهذه توسعة بعد التحديد ، والتشاور استخراج الرأي من شرت العسل إذا استخرجته ، وذكره ليكون التراضي عن تفكّر فلا يضرّ الرضيع ، فسبحان الذي أدّب الكبير ولم يهمل الصغير ، واعتبر اتفاقهما لما « 2 » للأب النسبة والولاية وللأم الشفقة والعناية وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ أي لأولادكم عن الزّجّاج ، وقيل استرضع منقول من أرضع ، يقال أرضعت المرأة الصبيّ واسترضعتها الصبي ، معدى إلى مفعولين ، أي أن تسترضعوا المراضع أولادكم ، فحذف أحد المفعولين يعني غير الأم عند إبائها أو عجزها فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ إلى المراضع ما آتَيْتُمْ ما أردتم إيتاءه من الأجرة ، أتيتم مكي من أتى إليه إحسانا إذا فعله ، ومنه قوله : كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا « 3 » أي مفعولا ، والتسليم ندب لا شرط للجواز بِالْمَعْرُوفِ متعلق بسلّمتم أي سلّمتم الأجرة إلى المراضع بطيب نفس وسرور وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لا تخفى عليه أعمالكم فهو يجازيكم عليها . 234 - وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ تقول توفيت الشيء واستوفيته إذا أخذته وافيا تاما ،
--> ( 1 ) ابن أبي ليلى : هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قاضي الكوفة ، ولد سنة 74 ه ومات سنة 148 ه ( الأعلام 6 / 189 ) . ( 2 ) في ( ز ) لأن . ( 3 ) مريم ، 19 / 61 .